ابن أبي مخرمة

316

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

بالمسك ، فما بقي أحد إلا أخذ في كمه ، وأخذت معهم ، وخرج الناس والشعراء وخرجت معهم ، فلحقني خادمان ، فرداني إلى الفضل وهو جالس مع أبيه - أو قال : ابنه - فقال لي : يا محمد ؛ قد سمعت ما كان هذه الليلة ، واللّه ؛ ما أعجبني من أشعارهم شيئا ، وقد أحببت أن تسمعني في المولود شيئا ، فقلت : [ من الطويل ] ونفرح بالمولود من آل برمك * ولا سيما إن كان من ولد الفضل ويعرف فيه الخير عند ولادة * ببذل الندى والجود والمجد والفضل فتهلل وجهه فرحا وقال : ما سررت بمثل هذا وأمر لي بعشرة آلاف دينار وقال لي : خذها يا محمد ، وهي دون حقك ، فأخذت المال ، واشتريت به أرضا وعقارا ، وفتح اللّه عليّ ، وكثر مالي ، وعظم جاهي ، فلم يكن إلا يسيرا حتى نكبت البرامكة ، وكان معي حمام بإزاء داري ، فأمرت الحمامي أن ينظفه ، ثم دخلت فيه ، وأمرت الحمامي أن يرسل إلي بمن يدلكني ويغمزني ، فأرسل إلي بصبي حسن الوجه ، فدلكني وغمزني ، فاستلقيت على قفاي ، وذكرت أيام البرامكة وأن جميع ما أملكه من فضل اللّه تعالى ، وهو على يد الفضل ، وأنشدت البيتين المذكورين ، فانقلبت عينا الصبي وانتفخت أوداجه وسقط مغشيا عليه ، ففزعت ، وخرجت من الحمام ، وقلت للحمامي : أرسلت إلي بمجنون يدلكني ؟ ! الحمد للّه على السلامة منه ، فقال : واللّه يا سيدي ما به جنون ، وإن له عندي سنينا كثيرة ما رأيت منه شيئا . فدعوت الصبي وآنسته من نفسي ، حتى اطمأنت نفسه ، فقلت له : ما ذلك العارض الذي رأيت منك ؟ قال : كأنك ظننت أني جننت ؟ قلت : نعم ، قال : ما كنت تنشد في ذلك الوقت ؟ قلت : بيتين من الشعر ، قال : ومن قائلهما ؟ قلت : أنا ، قال : فيمن قلتهما ؟ قال : في ولد الفضل بن يحيى بن خالد بن برمك ، قال : ومن ولد الفضل بن يحيى بن خالد ؟ قلت : لا أدري ، قال : أنا ولد الفضل بن يحيى بن خالد بن برمك ، وأنا صاحب ذلك السابع ، وفيّ قلت البيتين ، كنت قد سمعتهما من قبل ، فلما سمعتهما منك . . ضاقت عليّ الأرض بأجمعها ، ورأيت مني ما رأيت ، قال : فقلت له : يا ولدي ؛ أنا واللّه شيخ كبير ، ولا قرابة لي ترثني وأرثها ، وقد عزمت أن أحضر شاهدين وأشهدهما أن جميع ما أملكه من فضل الفضل أبيك وعلى يديك ، فتأخذ المال وأكون أعيش في فضلك إلى أن أموت ، فتغرغرت عيناه وقال : واللّه ؛ لا انثنيت في هبة وهبها لك والدي وإن كنت محتاجا إلى ذلك ، قال : فحلفت عليه أن يأخذ الكل ، أو يأخذ البعض ، فأبى وكره ، وكان ذلك آخر عهدي به .